ملاحظة قبل قراءة النص :
هناك نصوص أكتبها لأتخلص منها و أرتاح ، أشاركها للآخرين ليحملوا معي بعض أحمالي، كأن يضع كل قارئ بعض الأحرف على كتفه و نتشارك جميعاً في الحمل ، حمل آلام بعضنا.
الكتابة فعلُ دعوة للألم المشترك ، و القراءة فعل قبول للدعوة .
"عليها البقاء بواجب الحب"
بعد أن جلستِ الطفلة ذات العشر سنوات أمامي بجانب أمها ، شرحتُ لها أن الأم ستخرج من المكتب قليلاً ، بينما تبقى هي معي لوحدنا لنتحدث لبرهة من الزمن قد لا تتجاوز ال ١٥ دقيقة .
لا تعارض الطفلة أبداً بل تبتسم لي بطريقةٍ أعلنَتْ فيها أنها سعيدة للجلوس معي ، و مرتاحة .
طفلةٌ جميلة ، طويلة ، نحيلة بعض الشيء ، تكاد تكون نسخة مصغرة عن أمها ، لولا هذا الاختلاف في لون الوجه ، فهي بيضاء اللون بينما وجه الأم كان قد أخذ لوناً آخر غريباً ، يُسبّبه عادة العلاج بالأدوية الكيماوية لمرض السرطان .
تحضر الطفلة عيادتي رغبةً من أمها المريضة منذ خمس سنوات بمرض السرطان ، أن تستطيع ابنتها الكبرى أن تُعبّر لشخص آخر عمّا يجول في خاطرها تجاه مرض الأم ، علّها تعيش هذه الفترة المؤلمة بالحد الأدنى من القلق . و خصوصاً أن الطفلة الرقيقة التي لا تعبر عادة عن مشاعرها إلا بالصمت ، قد خرجتْ مرة عن طورها و قالت لأمها جملة قرعت جرس الانذار بقوة :" لم أعدْ احتمل مرضكِ ، لقد صرت أتمنى أن تموتي !!".
أسألها بعد بعض الدردشة الجانبية عما إذا كانت تعرف سبب حضورها لعيادتي ، لتخبرني بالإيجاب . اسألها عن السبب ، تبتسم ابتسامة هادئة ، و تنظر نحو النافذة الواسعة ، و تُحدّق فيها بدون أن تنبس ببنت شفة .
و بينما تتابع تركيزها على النافذة ، تجتهدُ شفتيها لمنع الصراخ و كظم الغيظ ، بينما استسلمتْ عيونها لإحساس الغضب و بدأتْ بوادر الدموع تلمع في أفق عيونها كسفنٍ عائدة و بسرعة .
قد يكون مشهد طفل يبكي ، من أكثر المشاهد المتكررة في حياتنا ، فبين البكاء و الأطفال علاقة شبه طبيعية حتى تكاد تكون مفيدة و ضرورية .
أما منظر الطفلة التي تمنع نفسها عن البكاء ، فهو أمر يكاد يكون نادراً ، و مراقبتها و هي تحمي نفسها من الغرق في دموعها ، أغرقها و أغرقني معاً ، فلا حاجز نفسي ضروري بين المريض و الطبيب بات قادراً على الصمود ، لقد بكت الطفلة و أبكتني .
أذهبُ مباشرة إلى جانبها ، أعطيها المناديل لتلّم بها ما سقط من جواهر عيونها ، و أطلب منها إن كانت تود دخول أمها الآن لتخفف عنها ، فأومأت لي ب " لا .. ليس بعد" .
لقد أرادت الطفلة الرقيقة أن تحمي أمها من مشاهدة دموعها ، هذا ما فهمته منها بعد أن هدأ روعُها ، و انفرجتْ بعض الشيء أساريرها .
ساعدتني صورة ابنتي الكبرى ( من نفس عمر الطفلة) أن أخفف من شدة توتر اللحظة ، عندما صارتْ تطرح عليّ بعض الأسئلة عن زينة و عن الأمور التي تحبها ، كان ذلك أمراً مفيداً و شديد الأثر الإيجابي .
و بعد أن ارتاحت قليلاً من عناء البكاء قالت لي ما معناه : "نعم لقد قلتُ لأمي أَنِّي أتمنى موتها ، هذا صحيح ، منذ خمس سنوات و أمي و أنا نموت كل يوم ، صرتُ أخاف الأمل أكثر من المرض ، لم يعد شيء يخفف من عذابي برؤية أمي على سرير المرض ، لا العلاج و لا الشفاء و لا الأمل، صرتُ أتمنى الموت، المهم في النهاية أن ترتاح أمي".
و تتابع بعد أن شربت بعض الماء : " أنا لم أبك أمامها أبداً ، أفعل ذلك في السرّ عنها ، لا أريد أن أزيد على ألمها ".
يبدو عليها أنها أخذت بعض الثقة بنفسها ، و طلبت مني أن أسمح لأمها بالدخول بعد أن مسحتْ ما استطاعت من آثار الدموع .
تفتح الطفلة ذراعيها لأمها و كأنها تلتقيها للمرة الأولى ، أو تكتشفها للمرة الأولى .
و بينما كانت الأم تمرر يديها على رأس البنت ، كانت البنت تقبض بيديها على قميص أمها كمن يطلب منها البقاء بقوة الحب ، بواجب الحب .
كنتُ أعتقد أن مرض الأم هو سبب كل هذا الألم ، لأكتشف للتو أن البكاء الإجباري في السر هو مصدر ألم الطفلة و ألم أمها .
البكاء الصامت في السر ، كالحب الصامت في السر ، يورط الجسد بروح أكبر من قدرته على الحمل .
كتبتُ هذا النص لأرتاح منه ، لأرتاح له .
لأخلُص كما خلصتْ الطفلة البكّاءةُ في السر ، و خرجتُ للبكاء في العلن ، خرجتُ إلى الحرية .
د. رفيف المهنا
هناك نصوص أكتبها لأتخلص منها و أرتاح ، أشاركها للآخرين ليحملوا معي بعض أحمالي، كأن يضع كل قارئ بعض الأحرف على كتفه و نتشارك جميعاً في الحمل ، حمل آلام بعضنا.
الكتابة فعلُ دعوة للألم المشترك ، و القراءة فعل قبول للدعوة .
"عليها البقاء بواجب الحب"
بعد أن جلستِ الطفلة ذات العشر سنوات أمامي بجانب أمها ، شرحتُ لها أن الأم ستخرج من المكتب قليلاً ، بينما تبقى هي معي لوحدنا لنتحدث لبرهة من الزمن قد لا تتجاوز ال ١٥ دقيقة .
لا تعارض الطفلة أبداً بل تبتسم لي بطريقةٍ أعلنَتْ فيها أنها سعيدة للجلوس معي ، و مرتاحة .
طفلةٌ جميلة ، طويلة ، نحيلة بعض الشيء ، تكاد تكون نسخة مصغرة عن أمها ، لولا هذا الاختلاف في لون الوجه ، فهي بيضاء اللون بينما وجه الأم كان قد أخذ لوناً آخر غريباً ، يُسبّبه عادة العلاج بالأدوية الكيماوية لمرض السرطان .
تحضر الطفلة عيادتي رغبةً من أمها المريضة منذ خمس سنوات بمرض السرطان ، أن تستطيع ابنتها الكبرى أن تُعبّر لشخص آخر عمّا يجول في خاطرها تجاه مرض الأم ، علّها تعيش هذه الفترة المؤلمة بالحد الأدنى من القلق . و خصوصاً أن الطفلة الرقيقة التي لا تعبر عادة عن مشاعرها إلا بالصمت ، قد خرجتْ مرة عن طورها و قالت لأمها جملة قرعت جرس الانذار بقوة :" لم أعدْ احتمل مرضكِ ، لقد صرت أتمنى أن تموتي !!".
أسألها بعد بعض الدردشة الجانبية عما إذا كانت تعرف سبب حضورها لعيادتي ، لتخبرني بالإيجاب . اسألها عن السبب ، تبتسم ابتسامة هادئة ، و تنظر نحو النافذة الواسعة ، و تُحدّق فيها بدون أن تنبس ببنت شفة .
و بينما تتابع تركيزها على النافذة ، تجتهدُ شفتيها لمنع الصراخ و كظم الغيظ ، بينما استسلمتْ عيونها لإحساس الغضب و بدأتْ بوادر الدموع تلمع في أفق عيونها كسفنٍ عائدة و بسرعة .
قد يكون مشهد طفل يبكي ، من أكثر المشاهد المتكررة في حياتنا ، فبين البكاء و الأطفال علاقة شبه طبيعية حتى تكاد تكون مفيدة و ضرورية .
أما منظر الطفلة التي تمنع نفسها عن البكاء ، فهو أمر يكاد يكون نادراً ، و مراقبتها و هي تحمي نفسها من الغرق في دموعها ، أغرقها و أغرقني معاً ، فلا حاجز نفسي ضروري بين المريض و الطبيب بات قادراً على الصمود ، لقد بكت الطفلة و أبكتني .
أذهبُ مباشرة إلى جانبها ، أعطيها المناديل لتلّم بها ما سقط من جواهر عيونها ، و أطلب منها إن كانت تود دخول أمها الآن لتخفف عنها ، فأومأت لي ب " لا .. ليس بعد" .
لقد أرادت الطفلة الرقيقة أن تحمي أمها من مشاهدة دموعها ، هذا ما فهمته منها بعد أن هدأ روعُها ، و انفرجتْ بعض الشيء أساريرها .
ساعدتني صورة ابنتي الكبرى ( من نفس عمر الطفلة) أن أخفف من شدة توتر اللحظة ، عندما صارتْ تطرح عليّ بعض الأسئلة عن زينة و عن الأمور التي تحبها ، كان ذلك أمراً مفيداً و شديد الأثر الإيجابي .
و بعد أن ارتاحت قليلاً من عناء البكاء قالت لي ما معناه : "نعم لقد قلتُ لأمي أَنِّي أتمنى موتها ، هذا صحيح ، منذ خمس سنوات و أمي و أنا نموت كل يوم ، صرتُ أخاف الأمل أكثر من المرض ، لم يعد شيء يخفف من عذابي برؤية أمي على سرير المرض ، لا العلاج و لا الشفاء و لا الأمل، صرتُ أتمنى الموت، المهم في النهاية أن ترتاح أمي".
و تتابع بعد أن شربت بعض الماء : " أنا لم أبك أمامها أبداً ، أفعل ذلك في السرّ عنها ، لا أريد أن أزيد على ألمها ".
يبدو عليها أنها أخذت بعض الثقة بنفسها ، و طلبت مني أن أسمح لأمها بالدخول بعد أن مسحتْ ما استطاعت من آثار الدموع .
تفتح الطفلة ذراعيها لأمها و كأنها تلتقيها للمرة الأولى ، أو تكتشفها للمرة الأولى .
و بينما كانت الأم تمرر يديها على رأس البنت ، كانت البنت تقبض بيديها على قميص أمها كمن يطلب منها البقاء بقوة الحب ، بواجب الحب .
كنتُ أعتقد أن مرض الأم هو سبب كل هذا الألم ، لأكتشف للتو أن البكاء الإجباري في السر هو مصدر ألم الطفلة و ألم أمها .
البكاء الصامت في السر ، كالحب الصامت في السر ، يورط الجسد بروح أكبر من قدرته على الحمل .
كتبتُ هذا النص لأرتاح منه ، لأرتاح له .
لأخلُص كما خلصتْ الطفلة البكّاءةُ في السر ، و خرجتُ للبكاء في العلن ، خرجتُ إلى الحرية .
د. رفيف المهنا

0 التعليقات:
إرسال تعليق